موقع متوسطة 05 جويلية 62 يوقاعة حي 300 مسكن
منتديات متوسطة 05 جويلية 62 بوقاعة

قراءة في عقلية إبليس

اذهب الى الأسفل

default قراءة في عقلية إبليس

مُساهمة من طرف الشحرورة في الإثنين 1 ديسمبر - 12:35

لا تعجب من عنوان مقالي، ولا تحسب أن الهمة للنبش عن الغريب، بل عن الجديد المفيد؛ نعم لإبليس عقل يفكر به، وله قضية يهتم بها، وها أنا ذا أبين لك قضيته التي انتصب لها، وطريقته التي يفكر بها، وآليته التي يعمل بها.
قدمتُ في مقالٍ آخر (أثر الشيطان في تحريف الأديان) أن الشيطان وراء كل انحراف في حياة البشر، وبينت ذلك باستقراء عددٍ من الانحرافات في حياة البشرية. وبعد مزيد من التأمل والقراءة في تلك الانحرافات ومحاولة البحث عن الآلية التي يعمل بها إبليس تبين التالي:
قضية إبليس الرئيسية:
الثابت عند إبليس هو لمن يكون (التحليل والتحريم)... (الأمر والنهي)... (التشريع)؟
أو بتعبير آخر مَن يُعَظَّم باتباع أمره واجتناب نهيه؟ من يُتَّبع بتعظيم أمره ونهيه؟!
وهذه هي العبادة على الحقيقة، قال الله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [سورة يس: 60]، وعبادتهم له طاعتهم إياه[1]. {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ} [سورة التوبة: من الآية31]، والمعنى: "يحلون لهم ما حرم الله, فيحلونه, ويحرمون لهم ما أحل الله فيحرمونه, ويشرعون لهم من الشرائع والأقوال المنافية لدين الرسل فيتبعونهم عليها" كما يقول السعدي [2].
هذه هي قضية إبليس الأولى:
ويمكن التعبير عنها بصيغة أخرى، وهي القول بأن اللعين يهتم بإخراج العمل من الإيمان، يهتم بأن يبقى الإيمان معرفة خبرية، يهتم بأن يكون الإيمان نظرية، والدعوة تكون لعدد من المفاهيم التي لا تظهر على جوارحِ مَنْ يقتنعُ بها. يهتم بأن يكون التوحيد فقط في شقه الأول (المعرفي الخبري) (الربوبية والأسماء والصفات).
أو يمكن القول جملةً بأن قضية إبليس هي صرف العبادة عن الله ـ سبحانه وتعالى وعز وجل ـ، هذه هي قضيته الأولى.
ومن البديهي أن كل معرفة تتطلب عملاً.. كلَّ معرفةٍ تدفع صاحبها لطلبِ محبوبٍ أو دفعِ مكروهٍ، فكيف لا تحدث المعرفة بالله أثراً في القلب؟، كيف ينحرف إبليس بالناس عن عبادة الله وهم يعلمون أن الله خالقهم ورازقهم ومحيهم ومميتهم؟، كيف يتبع الناسُ إبليسَ وهم يعلمون أنه عدوهم اللدود؟
الإجابة تحت هذا العنوان.
آلية إبليس في الغواية:
الواضح أن إبليس له نوعان من الخطاب، نوع يوجه لعوام الناس، ونوع يوجه لخواصهم.
عوام الناس يخدعهم بالوسائط بينهم وبين الله، ويأتيهم من قبل حرصهم على دنياهم، ولذا تراهم (متدينون) أو (مبتدعون)، وتراهم معرضون رضوا بالحياة الدنيا واطمئنوا بها وتراهم عن آيات ربهم غافلون، لا ترتفع همتهم عن فروجهم وبطونهم، وخواص الناس وهم الزعماء وهم الملأ يأتيهم من قبل حبهم للرياسة، وأن الدين سيذهب بسلطانهم أو بملذاتهم، ويجندهم لحرب الدين، ولذا تراهم يجحدون، يعرفون الحق وهم له منكرون.. يضللونَ العامة من الناس.
بكلمة واحدة: يأتي إبليس الناسَ من قبلِ ما يحبون.
فأتى آدم ـ عليه السلام ـ وغرَرَ به حتى أنزله من جنة الخلد ، يقول الله تعالى واصفاً ما حصل من إبليس تجاه آدم وزوجه: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} [سورة الأعراف: 22]، وهذه الجملة من المعجز بياناً ومما لا يطيقه بشر، بل مما لا يطيق بيانه بشر في قليل من الكلام، تقذف في قلبك بمعان كثيرة ثقيلة و كبيرة، وتختصر أياماً من الفعال، تشي الآية بأن إبليس أنزل آدم وزوجه من الجنة بهدوء.. بغرور.. أو "أنزلهما من رتبتهما العالية، التي هي البعد عن الذنوب والمعاصي إلى التلوث بأوضارها" [3].
والآية الكريمة تصف خطة إبليس في الغواية، فهو ينزل الناس للكفر من حيث لا يشعرون، يأتيهم من قبل ما يحبون، ويعالجهم على مهل... بهدوء تام، فعل هذا مع قوم نوح، فقد خطط ونفذ في أجيال وليس في جيل واحد، بدأ العمل في جيل وأثمر عمله بعد هذا الجيل بأجيال كثيرة، وكذا مع العرب، وكذا مع كل من تكلم بالفداء والصلب.
ومَعْلَمٌ آخر واضح في عقلية إبليس اللعين، وهو أنه لا يدعوا الناس للكفر في الغالب، بل للابتداع، فتجد كل جاهلية تدعي الإيمان، تجد كلَّ جاهليةٍ تنتسب لله أو تدعي الصواب، مشركوا العرب حكى القرآن حالهم بقوله تعالى: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [سورة الأعراف: 28]، والذين كفروا من أهل الكتاب ينتظرون (الملكوت) ثواباً على كفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيما بالزنا (كما يهود) أو بولادة (الإله) منها عليها السلام (كما النصارى)، تعالى الله عن إفكهم علواً كبيراً.
والكل يقيم بعض (الطقوس) الدينية التي يخادع بها الشيطانُ النفسَ، فشيءٌ من الرحيل لهذا الوثن أو ذاك (ما يعرف بالحج، وكلهم يحجون)، وشيء من العكوف في أماكن العبادة (الكنائس) أو (بجوار الأصنام) أو (الأضرحة) أو أمام (بقرة) أو (فأرٍ) أو (فرج امرأة) في حالة من الخشوع الكاذب. وهو الشيطان يخدعهم، يسوقهم للجحيم من حيث لا يشعرون.
لا يهم عند إبليس أن يقول المرء أنني مؤمن بالله، بل تجده يحرص على أن يبقى الجميع منتسبون لله.. عبادٌ لله أو (أبناء) الله أو غير ذلك، فالعصيان بالابتداع أحب إليه من التمرد الصريح.
إن الذي يحرص عليه إبليس.. إن الثابتَ عند هذا اللعين هو أن لا يطاع الله، أن لا يحل ما أحل الله ولا يحرم ما حرم الله، أن تصرف العبادة (الطاعة) لغير الله. كوسيط (يشفع عند الله) أو كفادي (أنزله الله ليفتديهم من الخطايا).
ويمكن سحب هذه المقدمة على الانحرافات الموجود على ظهر المعمورة اليوم، والتي وجدت من قبل، والأمر سهل يسير بحول الله وقوته، ولكن المقام مقال ولذا أكتفي بعرض بعض التطبيقات.
قضية التجسد من أجل الفداء
يرتكز إبليس ـ كما قدمت ـ على إتيان الإنسان من قبل ما يحب.. الخلد.. تعظيم الصالحين.. عرف الآباء.. رؤية الله عز وجل.. السلطة.. التعالي بين الناس، ثم هو لا يدعوهم للكفر بل للابتداع.
ومن ذلك موضوع (التجسد) من أجل (الفداء) وهي خطة شيطانية تكررت فيما نعلم سبعة عشر مرة، وكان آخرها لا أولها ما عليه عباد الصليب اليوم.

استغل إبليس شوق الناس إلى لقاء الله عز وجل، استغل ما فطر عليه الإنسان من حب التعرف على الله، وكل الناس يحبون التعرف على الله حتى الأنبياء {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [سورة الأعراف: من الآية143]، أتاهم من هذا الباب، وقال لهم بأن الله تجسد ـ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ـ ونزل على الأرض ليعيش بينهم فيتعرفوا عليه أكثر!!
وكذب، فلو سلمنا جدلاً أن الله يتجسد فقد صار إنساناً يأكل ويشرب، فكيف يتعرفون عليه وقد خرج عن طبيعته؟!، هذا لو سلمنا جدلاً أنه تجسد، فالتجسد ليس وسيلة للتعرف على الله، هذا ما يفهمه العقل، ثم كذب عليهم كذبة أخرى، وادعى أن (الله) حين تجسد جاء ليقتل فداءً لهم من خطيئة آدام الموروثة فيهم!!
ولم يقل بهذا إلا إبليس اللعين، فالخطيئة لا تورث {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [سورة المدثر: 38]، {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [سورة الزمر: 7]، وفي كتابهم "20 اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. اَلابْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الابْنِ. بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ، وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ" [ حزقيال :16 :20]. وفي العهد الجديد.. في يوحنا [5: 29] 29 فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ".
فالناس محاسبون بأعمالهم إن خيراً أو شراً في (التوراة) [4] و(الإنجيل) [5] والقرآن، ثم جاء الشيطان وتكلم على لسان (بولس) بما تكلم به من قبل على لسان أناسي كثيراً في مصر والهند وأيرلندا والعراق وفارس وغيرهم، وقبل الناس!!

avatar
الشحرورة
Admin

انثى
عدد الرسائل : 331
العمر : 50
nbsp :
nbsp :
نقاط : 252
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 30/10/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://educateur.3arabiyate.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى